أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

27

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

2610 - وقولي كلّما جشأت وجاشت * مكانك تحمدي أو تستريحي « 1 » أي : اثبتي ، ويدل على ذلك جزم جوابه ، وهو « تحمدي » وفسره الزمخشري ب « الزموا » ، قال : « مَكانَكُمْ » أي : « الزموا مكانكم لا تبرحوا حتى تنظروا ما يفعل بكم » . قال الشيخ : « وتقديره له ب « الزموا » ليس بجيد ، إذ لو كان كذلك لتعدى كما يتعدى ما ناب هذا عنه ، فإنّ اسم الفعل يعامل معاملة مسماه ، ولذلك لما قدروا « عليك » بمعنى : الزم عدوه تعديته نحو : « عليك زيدا » وقال الحوفي : « مَكانَكُمْ » نصب بإضمار فعل ، أي : « الزموا مكانكم أو اثبتوا » . قلت : فالزمخشري قد سبق بهذا التفسير ، والعذر لمن فسّره بذلك أنه قصد تفسير المعنى ، وكذلك فسره أبو البقاء فقال : « مَكانَكُمْ » ظرف مبني لوقوعه موقع الأمر ، أي : « الزموا » . وهذا الذي ذكره من كونه مبنيا فيه خلاف للنحويين منهم من ذهب إلى ما ذكر ، ومنهم من ذهب إلى أنها حركة إعراب ، وهذان الوجهان مبنيان على خلاف في أسماء الأفعال هل لها محل من الإعراب أو لا ؟ فإن قلنا : لها محل كانت حركات الظرف حركات إعراب ، وإن قلنا لا موضع لها كانت حركات بناء . وأما تقديره ب « الزموا » فقد تقدم جوابه . وقوله : أَنْتُمْ فيه وجهان : أحدهما : أنه توكيد للضمير المستتر في الظرف لقيامه مقام الفاعل ، كما تقدم التنبيه عليه . والثاني : أجازه ابن عطية وهو أن يكون مبتدأ و « شُرَكاؤُكُمْ » معطوف عليه ، وخبرها محذوف ، قال تقديره : أنتم وشركاؤكم مهانون أو معذّبون ، وعلى هذا فيوقف على قوله : « مَكانَكُمْ » ثم يبدأ بقوله « أَنْتُمْ » وهذا لا ينبغي أن يقال ، لأن فيه تفكيكا لأفصح كلام وتنثير النظمة من غير داعية إلى ذلك ، ولأنّ قراءة من قرأ « وشركاءكم » نصبا تدلّ أيضا على ضعفه ، إذ لا يكون إلّا من الوجه الأول . ولقوله : « فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ » فهذا يدل على أنهم أمرواهم وشركاؤهم بالثبات في مكان واحد حتى يحصل التنزيل بينهم . وقال ابن عطية أيضا : ويجوز أن يكون « أَنْتُمْ » تأكيدا للضمير الذي في الفعل المقدر الذي هو : قفوا ونحوه . قال الشيخ « 2 » : « وهذا ليس بجيد ، إذ لو كان تأكيدا لذلك الضمير المتصل بالفعل لجاز تقديمه على الظرف ، إذ الظرف لم يتحمل ضميرا على هذا القول فيلزم تأخيره عنه وهو غير جائز لا تقول : « أنت مكانك » ولا يحفظ من كلامهم ، والأصحّ أنه لا يجوز حذف المذكور في التأكيد المعنوي ، فكذلك هذا ، لأنّ التأكيد منافي الحذف ، وليس من كلامهم « أنت زيدا » لمن رأيته قد شهر سيفا ، وأنت تريد : أضرب أنت زيدا ، إنما كلام العرب « زيدا » تريد : « اضرب زيدا » . قلت : لم يعن ابن عطية أنّ « أنت » تأكيد لذلك الضمير في « قفوا » من حيث إنّ الفعل مراد غير منوب عنه ، بل لأنه ناب عنه هذا الظرف فهو تأكيد له في الأصل قبل النيابة عنه بالظرف ، وإنما قال : الذي هو قفوا تفسيرا للمعنى المقدر ، وقرأت فرقة « وشركاءكم » نصبا على المعية والناصب له اسم الفعل . قوله : فَزَيَّلْنا أي : فرقنا وميزنا كقوله تعالى : لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا واختلفوا في « زيّل » هل وزنه « فعّل » أو « فيعل » ؟ والظاهر الأول ، والتضعيف فيه للتكثير لا للتعدية ، لأن ثلاثيه متعد بنفسه ، حكى القراء : زلت الضّأن من المعز فلم تزل ويقال : زلت الشّيء عن مكانه أزيله ، وهو على هذا من ذوات الياء . والثاني : أنه فيعل ك « بيطر » و « بيقر » ، وهو من زال يزول ،

--> ( 1 ) البيت القطري بن الفجاءة وقيل لعمرو بن الاطنابة أنظر شرح المفصل لابن يعيش ( 4 / 74 ) ، المغني ( 1 / 203 ) ، الجمع ( 2 / 13 ) ، الأشموني ( 3 / 312 ) ، الخصائص ( 3 / 35 ) ، الشذور ( 345 ) ، التصريح ( 2 / 343 ) ، الدرر ( 2 / 9 ) ، التهذيب « جشأت » ، واللسان « جشأ » . ( 2 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 152 ) .